عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
126
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
نظرت في الراحة الكبرى فلم أرها * تنال إلا على جنس من التعب والجد منها بعيد في تطلبها * فكيف تدرك بالتقصير واللعب * وقال بعضهم : هجر النفس : مواصلة الحق ، ومواصلة النفس : هجر الحق . وقيل : الهجر نيران ، والموصل جنان ، وأنشدوا : والهجر لو سكن الجنان تحولت * نعم الجنان على العبيد جحيما والوصل لو سكن الجحيم تحولت * نقم الجحيم على العباد نعيما * وقال بعضهم : إن اللّه تعالى وهب لكل عبد من معرفته مقدارا وجملة على مقدار ما وهب له من المعرفة لتكون معرفته عونا على حمل بلائه . ( الحكاية السادسة والتسعون : عن بعض الصالحين رضى اللّه تعالى عنهم ) قال : رأيت سمنون في الطواف وهو يتمايل ، فقبضت على يده وقلت : له : يا شيخ بموقفك بين يديه إلا أخبرتني بالأمر الذي أوصلك إليه ؛ فلما سمع ذلك بذكر الموقف بين يديه ، سقط مغشيا عليه فلما أفاق أنشد : ومكتئب لج السقام بجسمه * كذا قلبه بين القلوب سقيم يحق له لو مات خوفا ولوعة * فموقفه يوم الحساب عظيم ثم قال : يا أخي آخذت نفسي بخمس خصال أحكمتها . فأما الخصلة الأولى : أمتّ منى ما كان حيا ، وهو هوى النفس ؛ وأحييت منى ما كان ميتا وهو القلب . وأما الثانية : فإني أحضرت ما كان عنى غائبا ، وهو حظى من الدار الآخرة ، وغيبت عنى ما كان عندي حاضرا وهو نصيبي من الدنيا ، وأما الثالثة : فإني أبقيت ما كان فانيا عندي وهو التقى ، وأفنيت ما كان باقيا عندي وهو الهوى ، وأما الرابعة : فإني أنست بالأمر الذي منه تستوحشون ، وفررت من الأمر الذي إليه تسكنون ، ثم ولى عنى وهو يقول : روحي إليك بكلها قد أقبلت * لو كان فيك هلاكها ما أقلعت تبكى عليك تخوفا وتلهفا * حتى يقال من البكاء تقطعت فانظر إليها نظرة بتعطف * فلطالما متعتها فتمتعت